علي أكبر السيفي المازندراني

195

بدايع البحوث في علم الأصول

في مبادي علم الأصول ، ولما له من الأهمية ، مراعياً للاختصار ، فنقول : قد يتوهم أنّ معنى تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد أنّ الانسان يفهم بعقله جميع تلك المصالح والمفاسد الدخيلة في تشريع الأحكام فيعمّم حكماً إلى غير مورده المنصوص بتسرية ما استكشفه بعقله ، من الحِكَم والملاكات . وهذا التوهم صار مزالّ الأقدام . ولكنّه توهم فاسدٌ ؛ لوضوح قصور عقل البشر عن فهم جميع ملاكات الأحكام وحِكَمها المكنونة في علم اللَّه ( تعالى ) . فلا بد من التفكيك بين هاتين الجهتين ، أي بين ابتناء تشريع الأحكام على المصالح والمفاسد الواقعية وبين تعرّف الانسان على جميع هذه المصالح والمفاسد . وإن لا يمكن عزل العقل عن إدراك مناطات بعض الأحكام موجبة جزئية ، كما أشار إليه المحقق النائيني بقوله : « لا سبيل إلى إنكار إدراك العقل تلك المناطات موجبة جزئية وأنّ العقل ربّما يستقل بقبح شيء وحسن آخر . ولا يمكن عزل العقل عن إدراك الحسن والقبح - كما عليه بعض الأشاعرة - فانّ عزل العقل عن ذلك يوجب هدم أساس إثبات الصانع » . « 1 » والسر في ذلك أنّ فلسفة تشريع كثيرٍ من الأحكام وملاكاتها مختفية عن عقول الناس ؛ إذ لا سبيل للعقل إلى علل تشريع الأحكام الفرعية التوقيفية في مختلف أبواب العبادات والمعاملات ، نعم في بعض الأحكام كشف الشارع عن الملاكات المؤثرة في التشريع جزئياً ويُعبَّر عنها بالحِكَم والمصالح ، أو المؤثرة فيه بنحو تماماً ، فيُعبّر عنها بالعلّة المنصوصة ، كما قد يُدرك العقل مستقلًا ملاك بعض الأحكام فيما يستقل به كوجوب الطاعة

--> ( 1 ) فوائد الأصول : ج 3 ، ص 59 .